كتاب ضابط اسباني سنة 1844 يكشف الحجم الحقيقي لامبراطورية المغرب قبيل التقسيم الاستعماري.

في الوقت الذي تتصارع فيه الدول حول ترسيم الحدود واثبات السيادة التاريخية، تطفو على السطح وثائق عسكرية اوروبية لتقلب الموازين وتنسف الخرائط الحديثة. نحن اليوم امام دليل مادي قاطع يعود لمنتصف القرن التاسع عشر، لم يكتب لدوافع سياسية، بل كمرجع ميداني صارم. قبل الغوص في هذا التحليل العميق والابعاد الاستراتيجية والسياسية لهذه الوثيقة، ندعوك لمشاهدة الفيديو المدمج في هذا المقال. ستجد في الفيديو الخلاصة السريعة والعملية الحسابية الصادمة التي تفك شفرة هذه الوثيقة التاريخية.

الشفرة الجغرافية والمساحة المفقودة:

عندما تنطق السجلات العسكرية بالحقيقة لم تكن غاية المدقق العام الاسباني دون سيرافين كالديرون تملق السلطة في المغرب عندما الف كتابه. لقد كان يضع دليلا توجيهيا للضباط الاسبان المتواجدين في الميدان. هذا المعطى يضفي على الوثيقة مصداقية بالغة الاهمية. فالبيانات الواردة فيها تعكس الرؤية الاوروبية الرسمية والموثقة لحدود المغرب، قبل ان تبدا التدخلات الاستعمارية في اعادة رسم المنطقة.

اعتمد المؤلف الاسباني على بيانات مساحية دقيقة بدلا من الخرائط المرسومة التي قد تعتريها التحيزات. يقول في الصفحة التاسعة من الدليل:

هذا الاقتباس ليس مجرد سرد جغرافي، بل هو اعتراف دولي صريح بحجم النفوذ الترابي المغربي. بعملية حسابية رياضية بحتة تعتمد على تحويل مقياس “الليغوا” المربعة الى الكيلومترات الحديثة، نجد ان الرقم يعادل حوالي 2.28 مليون كيلومتر مربع. هذا الرقم يثبت ان الاستعمار اعتمد سياسة البتر الممنهج لتقليص حجم هذه الامبراطورية الى ما يقارب 710 الف كيلومتر مربع فقط في وقتنا الحالي.

الاطماع الاستعمارية وصناعة الخرائط المشوهة ان اختفاء اكثر من 1.3 مليون كيلومتر مربع من مساحة المغرب لم يكن صدفة جغرافية، بل كان نتيجة مباشرة للتوسع الاستعماري الفرنسي والاسباني حيث تشير هذه المعطيات بشكل غير مباشر الى ان مناطق الصحراء الشرقية الممتدة الى واحات العمق، اضافة الى الساقية الحمراء ووادي الذهب، كانت جميعها جزءا لا يتجزا من الاراضي المغربية. ما حدث لاحقا هو سطو استعماري فرنسي لضم اراض شاسعة لمقاطعتها في الجزائر، وادعاء اسباني باطل بان مناطق اخرى هي مجرد “ارض خلاء”.

بلقنة شمال افريقيا واختلال التوازن:

من المثير للاهتمام مقارنة مساحة المغرب الاصلية بمساحات دول الجوار الحالية. فبينما تقارب مساحة الجزائر اليوم 2.38 مليون كيلومتر مربع، نجد ان المستعمر تعمد تحجيم المغرب بشكل جذري. هذا التناقض الصارخ يفضح سياسة “البلقنة” التي اتقنتها القوى الاستعمارية، لقد تم خلق كيانات بمساحات شاسعة على حساب الامبراطوريات التاريخية، لضمان استمرار النزاعات الحدودية المفتعلة وضعف الموقف التفاوضي لدول المنطقة.

ان هذا المرجع الصادر عام 1844 ليس مجرد حبر على ورق قديم، بل هي شهادة لحدود تم طمسها بالمسطرة الاستعمارية. وبينما تثبت هذه الارقام مغربية مساحات شاسعة تم اقتطاعها، يبقى السؤال الاهم مطروحا: هل التوسع الجغرافي لدول الجوار اليوم هو تطور تاريخي طبيعي، ام انه مجرد صناعة استعمارية تمت هندستها على حساب الجيران لضمان استمرار التوتر في شمال افريقيا؟

تفاصيل المرجع المعتمد:

اسم المرجع الاصلي: دليل الضابط في المغرب (Manual del Oficial en Marruecos).

• تاريخ الاصدار: مدريد، عام 1844.

يمكن الاطلاع على صورة الغلاف والصفحة التاسعة من الوثيقة الاصلية المرفقة في هذه الصفحة للتحقق من البيانات  بانفسكم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *